الثورات المهزومة والآلهة التي تفشل دائما

مازن كم الماز

ليست الهزيمة هينة، إنها أشد الأشياء إيلاما و قسوة.. عندما كان الآخرون هم من يخسرون حتى لو كانت الهزيمة محسوبة علينا كما في التل الكبير، فلسطين 48، يونيو حزيران 67 حتى بغداد 2003، كان تفسيرها ممكنا و كذلك الحديث عن تجاوزها.. بل إننا استمتعنا على نحو ما بكوننا “جيل النكسة” و بنقد المهزومين نقدا لا يعرف الهوادة.. لكن الهزيمة هذه المرة أكثر عمقا، لقد أصابتنا مباشرة، ليس نحن فقط بل قدس أقداس كل مشاريعنا الخلاصية و كل أحلامنا الجماعية: الجماهير، الثورات، كل الشعارات التي من الممكن أن تحمل وعدا ما، أملا ما، كل ما قد يغري الشباب الراغب بتغيير عالمه و السيطرة عليه.. لم يهزم الجنرالات والماريشالات ولا الإسلاميين أو القادة التاريخيين “فقط” هذه المرة، التاريخ نفسه هو المهزوم، بكل وعوده: الخلاص، التغيير، التقدم، الناس العاديون، شعاراتنا، نحن.. لكن أسوأ ما يميز هزيمتنا اليوم ليس الإنكار المنطقي جدا لها بل هو أننا، المهزومون و من “يتحدث” باسمهم، نكرر اليوم نفس الهذيان الذي طالما سخرنا منه لتبرير هزائمهم أو هزائمنا السابقة: العدو الذي يعاند بنجاح منطق التاريخ و حتمية انتصار العدالة و إرادة الشعوب، المؤامرات التي لا تنتهي، الشيطان اللعين، المخلص الذي لا يأتي و النصر الذي ننتظره دون جدوى مثل غودو بيكيت: الآلهة التي تفشل دائما.. هذه المرة لن يوجد “نقد ذاتي للهزيمة”، صادق جلال العظم نفسه قبل أن يموت دافع عن هزيمتنا بنفس دفاع الجنرالات الذين سخر منهم عام 67..

لا نقف اليوم فقط في نفس موقف عبد الناصر في يونيو حزيران بل إننا نردد بالضبط ما قاله الرجل يومها.. نلتحق اليوم بإخوتنا الإسلاميين الذين منذ أول مواجهة خاضوها في أربعينيات القرن الماضي مع ما يعتبرونها حكومات “علمانية” و هم ينتقلون من هزيمة لأخرى رغم كل همجيتهم و تضحياتهم و إصرارهم أنهم وكلاء الله الحصريين على الأرض، الله لا أي شخص آخر، رغم كل ذلك ما زالوا يرددون نفس الكلام و نفس الحجج و ينتظرون نصرهم الحتمي القادم.. نحن مهزومون لكن رغم انهيار أحلامنا و انقلابها إلى كوابيس، لم و لن نهزم أبدا.. لا نحن و لا إله أجدادنا و لا قوانين الماركسية الثابتة و لا روح أمتنا و لا جماهيرنا.. لا بد أننا نحير أعداءنا كما يحيروننا.. قد يكون هذا هو الوقت المناسب للتساؤل، هل هناك حلول جماعية بالفعل أم أن المشاريع الخلاصية، مشاريع السلطات البديلة و السجون و الكنائس و المساجد الجديدة، ليست في الواقع سوى حلول فردية تختفي وراء ما تزعم أنها مشاريع خلاصية جماعية، أليست هذه المشاريع مثلها مثل الأديان و الآلهة و الجنة و الجحيم و الحوريات، مجرد أوهام تساعدنا على تحمل آلام الحياة و قلق الوجود، محاولة لإعطاء معنى لوجود بلا معنى، تكنيك دفاعي آخر ضد الوعي بعبثية الوجود و لا جدواه.. لم تكن كلمات فان غوخ تريد تحدي أصحاب المشاريع الخلاصية بل أن تعطي توصيفا هادئا حزينا لحقيقة العالم: لن ينتهي الشقاء، لكن بعض الأوهام تبدو أجمل من بعضها الآخر

Print Friendly, PDF & Email