متضامنة_مع_وئام_شوقي#

أنا إنسان

إلهام مانع

ارتفع ضغطي.

وإحترق دمي.

كنت استمع إلى صوت الكهنوت في البرنامج، وأسأل نفسي،” أين نعيش؟”

واتأمل في تداعيات ما يقول واسأل، “هل يعي ما يقول؟”

ثم أعود، وابتهج وأنا أستمع إلى صت ناشطات، تعبن من نفاق مجَتمعهن.

 من قوانين وقواعد فقهية تتعامل مع المرأة على أنها ناقصة عقل ودين.

تقول لها إنها قاصر، رغم أنها إنسان. بالغ. راشد. مستقل.

كم هي قوية تلك المرأة.

التي تقف من وسط الخرطوم، تواجه الطوفان ولا تتزحزح.

 تُصر، أنا إنسان. لست قاصر. لست بضاعة متعة.

وانفعلت وأنا اتابع مواجهة بين إمرأة شابة قوية ورئيس هيئة العلماء في السودان.

أظهرت قوة المرأة السودانية، وخُبث شيوخ الكهنوت.

ولأنها كانت ولازالت قوية  تتعرض اليوم إلى التهديد بالقتل في بلدها.

ولذا تحتاج هي إلى تضامننا.

اتحدث عن برنامج شباب توك للدويتشه ويله الذي بَث من الخرطوم حلقة حول وضع النساء في السودان.

حلقة أظهرت حالة الغليان التي يعيشها المجتمع السوداني.

ورفض شريحة واسعة من الناشطات والمجتمع المدني للخِطاب الإصُولي الديني السائد فيها، ومعه قوانين دينية تم فرضها بعد أن تحولت السودان منذ الثمانينات، إلى بؤرة للإخوان المسلمين تتحكم بفكرها وخطابها في الدولة وقوانينها.

 بعد بث الحلقة تعرضت القناة ومقدمها المعروف جعفر عبدالكريم، وقناة السودان 24 إلى حملة تشهير. الناشطة وئام شوقي أصبحت اليوم مهددة بالقتل.

 يلعنونها في المساجد. لم يفكروا يوماً ان يلعنوا نظاماً افقرهم.

 الأسهل ان تلعن المرأة.

فالمرأة القوية تزلزل الجبال في مجتمعاتنا.

———

نبدأ بالبرنامج.

كان موضوعه واقع المرأة في السودان.

وهو واقع مؤلم. يذكرني كثيراً باليمن.

 

السودان حلت ضمن الدول الأسوأ على مؤشر عدم المساواة بين الجنسين.

عالميا حلت في المرتبة 165 من 188.

وعربيا حلت في المرتبة قبل الأخيرة.

 اليمن جاءت في المرتبة الأخيرة.

الختان الذي يشوه أعضاء المرأة التناسلية ويُعرضها لمخاطر صحية جمة، تماماً كما يؤثر على تمَتعها بالجنس، منتشر.

 فالواقع أنه لا يوجد قانون سوداني يُحرم الختان. توجد قوانين تمنعه داخل بعض الولايات لكن السودان، كدولة يُفترض فيها أن تحمي الإنسان فيها، لاتمنعه.

87٪ من النساء البالغ اعمارهن بين  15 و 49  تعرضن لعملية ختان.

والقانون يشرع زواج الطفلات. فقَانون الاحَوال الشخصية يسمح بتزويج الطفلة في سن العاشرة بموافقة القاضي.

 يراها بضاعة متعة، صالحة للوطأ.

تماماً كما أن القانون يتحكم بشكل اعتباطي بما تلبسه المرأة. يريد ان يغطيها من رأسها إلى اخمص قدميها، فخرج عليها بقانون يترك لمن ينفذه حرية تفسيره.

المادة 152 من القانون الجنائي السوداني لعام 1991 تنص على أن “من يأتي في مكان عام، فِعلا او سلوكا فاضحا او مخلا بالآداب العامة او يتزيا (يلبس) بزي فاضح او مخل بالآداب العامة يسبب مضايقة للشعور العام يعاقب بالجلد بما لا يَتجاوز أربعين جلدة أو بالغرامة او بالعقُوبتين معاً.”

لو لبست الفتاة بنطلونا. يسموه فعلاً فاضحاً. لو لم تغط شعرها، يسمونه فعلاً فاضحاً.

———

وفي هذا التفصيل تحديداً، أي في لباس المرأة،  حدثت الواقعة في البرنامج التي تسببت في قيام القيامة في السودان. 

الحادثة بدأت مع  وئام شوقي، البالغة من العمر 28 عاما، والتي انتقدت في مداخلة لها ضمن البرنامجالقمع والإهانة التي تتعرض لها النساء في السودان.

قالت: “عندما أسير في الشارع ويعاملني الرجل مثل بضاعة وليس كبشر، فإن هذا الشخص مريض. وليس من حقه تحديد ما ألبس”.

قالت وهي تتحدث مباشرة إلى الشيخ محمد عثمان صالح، رئيس هيئة علماء السودان :”اللباس الذي أضعه هو جزء من إنسانيتي ويخضع لحريتي في الاختيار ـ ولا يخضع للمجتمع بكل عاداته وتقاليده المريضة“.

تحدثت وئام شوقي وهي غاضبة.

وكانت على حق في غضبها.

لأن الرجل،  الشيخ صالح، ذاك الذي يترأس هيئة علماء السودان، كان في الواقع يبرر تحرش الشباب بالفتيات.

يسأل في البرنامج.

“لماذا يحدث التحرش؟” ويرد على نفسه وهو يضحك: “بسبب ما تلبسه الفتيات”.

هذا ما يقوله من سموه بروفيسور؟ بروفيسور في ماذا لو سَمحت؟ في الدعوة إلى التحرش بالفتيات؟

 من عاش في السعودية واليمن ومصر يعرف ان التحرش يطال كل أنثى.

كل انثى. بدون تفَصيل.

تتعرض له من تغطي شعرها ومن لا تغطيه. تتعرض له من تلبس النقاب، الشرشف أو البرقع.

 لو لبست خيمة على كل جسدها، ولم نر منها سوى فتحات انفها،  سيتم التحرش بها.

لأن المتحرش ببساطة لا يحترمها كإنسان. تماما كما أن المتحرش جبان، يريد ان يمارس سطوته عليها.

العديد من الناشطات السودانيات اشرن إلى ذلك في البرنامج.

أحدهن اشارت إلى واقعة التحرش بأمها،  في الخامسة والستين من عمرها، وهي تلبس العباية.

إذن المشكلة هي في ثقافة تنظر إلى المرأة كبضاعة متعة. المشكلة في ذاك الذي لا يحترم ادميتها.. المشكلة في خطاب ديني يعتبر أن الطفلة، ذات العاشرة، صالحة للوطاً، لأنها إذا بلغت (يقول لنا ذلك الشيخ بكل ثقة) تشتهي الرجل.

الطفلة تشتهي الرجل!

يقول لنا.

وفي العاشرة من عمرها، لأن قانون الأحوال الشخصية في السودان يحدد سن البلوغ للزواج للطفلة بالعاشرة.

مصيبة أليس كذلك؟

من الذي يشتهي هنا؟ من المهووس جنسياً؟

تلك الطفلة التي تريد أن تلعب بدميتها؟ أم ذاك الرجل الذي لايرى غضاضة من ممارسة الجنس معها؟

وأية شهوة هي هذه؟

يسمونه إغتصاب طفلات ياشيخ صالح. 

فهل مارسته ياشيخنا؟

وأنت تجلس تقول لنا إن من أمن بالله ورسوله عليه أن يتبع قوانينه.

كأنك تريد أن تخيفنا؟

بماذا؟

بقوانين دينية تنتمي إلى قرون وسطى؟

الإيمان بخالق من عدمة لايعني ان نحكم بقوانين دينية كهنوتية.

تقتل ادمية الإنسان.

تبرر إغتصاب الطفلة.

ثم تبرر التحرش بالفتيات لأنهن لم يلتزمن بما أسميته باللباس الشرعي.

ثم تتعامل مع المرأة كأنها قاصر.

—–

حديث الناشطة وئام شوقي، ذاك الذي جاء رداً على تبرير الشيخ صالح للتحرش بالفتيات، هيج المساجد.  هيج الفحول التي فيها.

فحول تطبل للِظالم والكاذب الفاسد المرتشي. لكنها تلعن المرأة وسَنسفيل أبوها إذا دافعت عن حقها وهي قوية.

احد الأئمة في مسجد خاتم المرسلين بالعاصمة السودانية، اعتبر أنه منالوقاحةأن تَظهر وئام شوقي في البرنامجحاسرة عن رأسها وأن تطالب أمام شيخ وقور بصوت مرتفع وتطعن في ثوابت الدين، تطعن بالحجاب وأن تطالب بالمساواة بين الرجل والمرأة“.

دعني فقط اذكرك ايها الإمام إن ما تسميه بثوابت الدين، هي ثوابت في فكرك انت فقط. يمكن تغييرها بقوانين تحترم الإنسان.

وأكون شاكرة لك لو قرأت عبارتي هذه وتمعنت فيها: قواعد الفقه المؤسسة للشريعة تعكس تاريخها. أي الفترة بين القرنين السابع والعاشر الميلادي. لا تصلح لزماننا. ولذا إذا أردنا قوانين عادلة تحترم كرامة المرأة وحقوقها، سيكون علينا أن نسن قوانين مدنية تعتبر المرأة إنساناً ، تقف مع الرجل أمام القانون على قدم المساواة.

إذا أردنا إحترام الإنسان في أوطاننا، سيكون علينا فصل الدين عن الدولة وتأسيس مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق المواطنة أساساً في التعامل.

دعني ايضا ألفت إنتباهك أيها الإمام أن الدول التي تمشي فيها المرأة حاسرة الشعر، وتطبق واقعا وقانونا المساواة بين الرجل والمرأة هي الأكثر تقدماً في العالم، والأقل فقرا، والأكثر ديمقراطية ومؤشر السعادة فيها كبير. جداً.

ولذا إذا طالبت نساء السودان بالمساواة فإنهن في الواقع يطالبن بنهوض دولتهن والخروج بها من دائرة التخلف.

إذن أعود وأقول.

احترق دمي وارتفع ضغطي من حديث الشيخ صالح. ذاك الذي يشجع على التحرش ويدعو إلى إغتصاب الصغيرات بإسم الزواج.

وابتهجت وشعرت بالأمل وانا استمع إلى حديث الناشطات السودانيات.

كل واحدة منهن وقفت قوية.

كل منهن تشي بالتغيير القادم إلى الشرق.

كل منهن تواجه الطوفان.

تنظر إلى عين الكهنوت.

وتغص بالوجع.

وجع الإهانة اليومية التي تتعرض لها في حياتها.

لكنها رغم ذلك تبَصقه في وجه الكهنوت. وهي ترتعش.

ترمي به وتقول: “هذا ما تقوله انت. وما تقوله لم يعد مقنعاً. أصبح حديثاً مسخاً تُروج به لسَلطتك. ونحن نرفضه جملة وتفصيلاً. والمسألة مسألة وقت

التغيير القادم ستقوم به النساء.

نساء من نوعية وفاء شوقي، أسيل عبده، وعزه تاج السر.

كل واحدة منهن تفتح أبواب المستقبل للسودان.

وكل منها تزلزل الجبال بقوتها، رغم الخوف.

دعونا إذن نعلن تضامننا مع وفاء شوقي ضد حملة التهديد التي تتعرض له.

لأنها وقفت في وجه الجبروت وقالت كلمة حق: “أنا إنسان.”

Print Friendly, PDF & Email