النساء في تونس، والنساء في مصر

رفعت عوض الله

 وانا اتابع الاحداث في تونس، شاهدت جنازة الرئيس التونسي المحترم قايد السبسي. رأيت عبر الفضائيات التونسيين والتونسيات. لفت نظري وشد انتباهي الاعداد الكبيرة من التونسيات السافرات اللاتي بدون حجاب، كاشفات عن شعرهن، ومرتديات الملابس العصرية. نعم هناك اعداد كبيرة من المحجبات، ولكن ان نري سافرات وغير محجبات وباعداد كبيرة في بلد عربي يدين فيه الناس بالإسلام، فهذا امر مدهش.

 في المقابل في مصر حيث الكثرة الغالبة من المسلمين واقلية من المسيحيين. نلاحظ ان المسلمات تقريبا يكاد الكل يكن محجبات مع عدد لا بأس به من المنقبات ويستطيع المرء ان يتبين دين المرأة المصرية من الحجاب والسفور. فالسفور يكاد يكون قاصرا علي المصريات المسيحيات. وانتشار الحجاب علي أوسع نطاق نراة في المدرسة حتي ولو كانت مدرسة أطفال، وفي الهيئات والمؤسسات والجامعة والشارع.

ما الذي صنع الفارق والاختلاف بين التونسيات والمصريات علي هذا النحو الواضح والظاهر.

 في ظني ان الفارق جاء نتيجة للفارق بين شخصيتي الزعيم جمال عبد الناصر والزعيم التونسي الحبيب بورقيبة، وتوجهاتهما السياسية والفكرية .

 عبد الناصر الذي كان ضابطا صغيرا بالجيش الملكي المصري كان ناقما علي الغرب، ولا يري فيه سوي انه استعمار واستغلال وإذلال للعرب المسلمين، وكان بصورة او باخري مشبعا بفكر وعقيدة الاخوان الحالمة بإستعادة امجاد دولة الخلافة الإسلامية.

 حين نظم عبد الناصر تنظيم الضباط الاحرار كان بالتنسيق مع جماعة الاخوان، بل ان اختيار التوقيت للانقلاب علي الملك في 23  يوليو 1952 كان أيضا بالتنسيق مع الجماعة.

 والامر الدال علي التوجهات الإسلامية لدي عبد الناصر عدم وجود ضابط مسيحى واحد في التنظيم.

 عبد الناصر نظر للغرب نظرة غير موضوعية. نعم ان الغرب استعمار واحتلال وتحكم في مقدرات الشعوب الضعيفة، ولكنه أيضا حضارة وعلم وعقل وحقوق للإنسان وقيم حداثية من علمانية وليبرالية وديمقراطية. للأسف عبد الناصر لم يري هذا الجانب المضيئ. فعاد الغرب وعادي الحداثة. فلما خلع الملك واعلن الجمهورية في مصر حل الأحزاب إلا تنظيم جماعة الإخوان، وحكم بوصفه حاكما فردا لا يقبل اختلافا ولا معارضة. يصفق له الناس والجماهير، ويهتفون له بروح القطيع الذي يسير خلف الراعي،الأب للجميع.

 انحاز عبد الناصر لأهل الثقة وابعد اهل الخبرة والكفاءة، واحد الأمثلة علي ذلك : وزارة المعارف ” التربية والتعليم ” التي كان وزيرها في حكومة الوفد الأخيرة العظيم طه حسين الذي نادي وعمل ونفذ ان يكون التعليم كالماء والهواء، وان الجهل كالحريق علينا الإسراع في إ طفائه بكل الوسائل وإلا حولنا الي رماد.

 شغل كرسي طه حسين في عهد عبد الناصر الصاغ الجاهل كمال الدين حسين ذو التوجهات الاخوانية. فماذا حدث ؟ بدأ الانحدار التدريجي في التعليم ووصلنا الي تعليم هو مسخ تعليم وليس تعليما حقيقيا بفضل سياسات عبد الناصر ومن خلفه.

 انطلاقا من إسلامية عبد الناصر تشكل في نفس الرجل ايمان قوي بالعروبة والوحدة العربية، وجاء بكتب التربية الوطنية المقررة علي التلاميذ بالمدارس أسس وعوامل تلك الوحدة من تاريخ مشترك، ولغة واحدة ودين وعقيدة واحدة، وكأن كل العرب مسلمون ، في نفي وتهميش واضح لغير المسلمين من العرب

 

 هذا التوجه الناصري نحو الإسلام اسفر عن فتح الطريق والباب واسعا امام الأصولية الإسلامية بعد هزيمة يونيو1967  التي اجهزت علي المشروع الناصري.

 

 بعد رحيل عبد الناصر استعاد الاخوان المسلمون موقعهم في توجيه الدولة والمجتمع نحو اسلمة الحياة مظهرا ومخبرا، بعد ان فتح لهم السادات أبواب السجون، واطلق يديهم في المجتمع. وكانت اول نتيجة هي تحجيب المصريات الذي بدأعلي استحياء، وما لبس ان صار تيارا ضخما استوعب كل المصريات المسلمات تقريبا.

 

هذا ما حدث في مصر….. فماذا عن تونس ؟

 

 الحبيب بورقيبة ناضل ضد فرنسا لتحصل تونس علي الاستقلال، ولكنه رغم نضاله المر ضد الاحتلال الفرنسي لتونس لم يعادي الغرب، ولم ينظر للغرب علي انه استعمار. وهذا هو جوهر الاختلاف عن عبد الناصر. بورقيبة كان مؤمنا بالحضارة الغربية ويراها حضارة إنسانية شاملة فكان مؤمنا بالحداثة، وبالعلم والعقل، وكان مؤمنا بمركزية التعليم الجيد الاستناري، فلما حصلت تونس علي استقلالها عمد لإنشاء مؤسسة تعليمية راقية علي غرار نظام التعليم في فرنسا، فخرجت متعلمين تعليما جيدا وراقيا، تعليم احترم العقل والعلم، وحصن المتعلمين ضد فيرس الأصولية الدينية. ومن حسن حظ الشعب التونسي ان المؤسسة التعليمية الراقية التي أسسها الرجل العظيم مازالت قائمة، ومازالت تخرج تونسيين وتونسيات مؤهلين تأهيلا جيدا.

 

 هذا الذي بذر بذرته الرجل العظيم بورقيبة تمخض عنه ليس افرادا علمانيين ولكن تيار علماني استطاع ان يحد ويحجم حركة النهضة الاخوانية الأصولية والتيار السلفي.

 

 بفضل بورقيبة تونس هي البلد الوحيد المسلم الذي ليس به تعدد زوجات.

 

 كم نحن بحاجة لنظير بورقيبة في مصر لتتحرر نساؤنا من قيد واسر الحجاب وتغييب العقل.

Print Friendly, PDF & Email